ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

243

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

ذلك ، ففعله ، فزال ما كان في باطني ، قال الخرقي : قصدت من الشام إلى الحجاز حتى سألت الكشاني عن هذه الحسيلة « 1 » ، ومن آدابهم لا يعرفون لهم فضلا على إخوانهم . وحكي أن عليا بن تبدار الصوفي ورد على عبد اللّه بن حقيق زائرا فتماشيا فقال عبد اللّه : تقدم ، فقال : بأي عذر ، قال : أنت لقيت الجنيد وأنا ما لقيته ، وما ترك من همه شيئا من فضول الدنيا ، قال اللّه تعالى : فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ( 29 ) [ النّجم : 29 ] ومن بذل الإنصاف للإخوان ترك المطالبة بالإنصاف قال « أبو عثمان الجويني » حق الصحبة لمن توسع خلي أخيك بما لك ولا تطمع في ماله وتتعب له عن نفسك ولا تطلب منه إنصافا ، وتكون تبعا له وتستكثر منه يحصل إليك منه . ومن آدابهم في الصحبة لين الجانب وترك النفس بالصولة ، قال أبو علي : الصولة على من فوقك وقاحة ، وعلى من مثلك سوء أدب ، وعلى من دونك عجز ، ومن آدابهم في الصحبة حذر المفارقة والحرص على الملازمة ، قيل إن رجلا أراد المفارقة فاستأذن صاحبه فقال : بشرط أن لا تصحب أحدا إلا أن يكون فوق منا ، وإن كان فوقنا أيضا لا تصحبه لأنك صحبتنا أولا ، فقال الرجل : زال عن قلبي المفارقة ، ومن آدابهم أنهم يتأدبون مع بعضهم بعضا . فصل كان إبراهيم بن أدهم يعمل في الحصاد وينفق على أصحابه وهم يجتمعون في موضع بالليل وهم صيام ، وكان تأخر عنهم بعض الأيام في العمل ، فقالوا تعالوا نفطر ونخليه حتى لا يعود بعدها ، فأفطروا ثم ناموا ، فجاء إبراهيم فوجدهم نائمين ، فقال : مساكين لعله لا يكون لهم طعام يفطرون عليه ، فعمد إلى شيء من الدقيق فعجنه فانتبهوا وهو ينفخ في النار ووضع محاسبته على التراب ، فقالوا له : ما بدا لك ؟ فقال : قلت : لعلكم لم تجدوا شيئا تفطرون عليه فقالوا : انظروا بأي شيء عاملنا وبأي شيء عاملناه هو ، قال بعضهم : إذا قال الرجل لصاحبه : قم بنا ، فقال إلى أين فلا تصحبه ، وقال آخر : من قال لأخيه أعطني شيئا من مالك ، فقال : كم تريد ؟ فلا تصحبه . ومن آدابهم : أن لا يتكلفوا للإخوان .

--> ( 1 ) والحسيلة : حشف النخل الذي لم يحل بسره ييبّسونه حتى ييبس ، فإذا ضرب انفتّ عن نواه وودنوه باللبن ومردوا له تمرا حتى يحلّيه فيأكلونه لقيما ، يقال : بلّوا لنا من تلك الحسيلة ، وربّما ودن بالماء . ( لسان العرب ) هذا معنى الكلمة لغويا ولكن اللّه أعلم بمراد الشيخ بها .